اليوم الأحد 19 نوفمبر 2017 - 4:54 صباحًا

  
  رئيس التحرير
  شكري رشدي



لعبة الانتخابات الايرانية .. بقلم : طارق كاريزي

الاسرة البهلوية التي حكم اثنان من رجالها (رضا خان بهلوي ونجله محمد رضا) الدولة الايرانية في القرن الماضي، كانت تؤمن بتحديث ايران لكن وفق النسق الامبراطوري العتيد. قاد الشاه ونجله سلسلة من الاصلاحات الحضارية هدفها ادخال ايران الى عهد العصرنة، وحاول الاثنان تقليد العالم الغربي من دون فتح الابواب امام التقاليد السياسية له، لذلك لم تتردد من ضرب كل اشكال المعارضة وحاربت التيارات ذات النهج اليساري. فقد كانت منتهى الوطنية الايرانية من وجهة نظر النظام الشاهنشاهي تعني قبول سلطة ملك الملوك (الشاهنشاه) المعظم مقابل عصرنة البلد وتوفير الرفاهية للشعب. لكن جهاز (ساواك) الاستخباراتي أفرط في قمع الحريات، مما ولّد حالة من التذمر الذي أجج جمرات المعارضة بشتى صنوفها العلمانية واليسارية والدينية والقومية.
النظام الايراني الحالي الذي تربع على عرش الطاوس معلنا جمهورية ولاية الفقيه، جاء بعد ثورة شعبية عارمة لم يجد الشاه من يسانده في قمعها، فاضطر لترك البلد ليحط الخميني قادما من فرنسا عوضا عنه في مطار مهراباد في احدى ضواحي طهران، معلنا انتصار الثورة الاسلامية التي نالت الكثير من العطف الاقليمي والدولي خصوصا من قبل الجهات التي كانت تتوجس من نظام الشاه.
ولاية الفقيه تبنت اسس نظام اعتمد على طرح فقهي نظري لآية الله الخميني. هذا النظام الذي سعى لتقديم توليفة من الاحكام الشرعية الاسلامية (وفق المذهب الاثنى عشري الشيعي) الى جانب صبغة شكلانية من ملامح العصرنة والمدنية الغربية. والانتخابات هي أحدى أوجه هذه التوليفة التي تبدو انها لم تحقق الانسجام اللازم بما يضمن كسب الشارع الايراني وتحقيق الرفاهية للشعب وارساء الديمقراطية وحقوق القوميات والاثنيات الايرانية.
الانتخابات هي نتاج تطور الفكر السياسي الغربي، لم یقدم التأریخ الاسلامی سابقة‌ حول الانتخابات العامة المعروفة حاليا لدينا. من هنا فان الانتخابات في ظل نظام حكم اسلامي يعد بدعة وفق الشريعة الاسلامية، خصوصا وان الفكر السياسي الاسلامي لم يطرح نظرية في الحكم والسياسة تتبنى الخيار الديمقراطي الذي ورثه الغربيون من الحضارة اليونانية. ولعل احتكار السلطة من قبل رموز ومؤسسات النظام الاسلامي الايراني (مرشد الثورة، الحرس الثوري وغيرهما) قد افرغ النظام من كل أسباب وركائز الديمقراطية، بل تحول الى نظام ثيوقراطي قمعي لم يمنح المعارضين له أدنى هامش للتحرك، بل ظل يمارس مختلف الاساليب القمعية والارهابية ضد قوى المعارضة، وكانت له اليد الطولى في تصفية عشرات الآلاف من المعارضين في الداخل وفي الخارج.
الشعب الايراني لم يسنح له ممارسة حق الادلاء والتصويت في انتخابات حقيقية سواء في العهد الشاهنشاهي أم في عهد الجمهورية الاسلامية. طوال عمر الجمهورية الاسلامية لم تشهد ايران انتخابات حقيقية، بل ان الذي جرى ويجري هو عبارة عن لعبة لتداول السلطة بين رموز النظام وأجنحة السلطة التي لا ترفرف أبدا خارج عباءة رجال الدين المتنفذين والممسكين بتلابيب السلطة والاقتصاد الايرانيين.
الادعاءات التي تروج لها السلطات الايرانية حول الانتخابات تفتقر للمصداقية على المستوى الدولي، فهي انتخابات لا تنطبق عليها المعايير الدولية، بمعنى انها عملية سياسية للاستهلاك المحلي. ومحليا لا يتمتع النظام الايراني حاليا بدعم واسع من الشارع الايراني، بل ان شعبية النظام حاليا هي في مستوياتها الدنيا، لاسباب عدة نشير هنا للبعض منها. لعل أبرزها سياسة تصدير الثورة ودعم انصار المذهب خارج الحدود والذي أثقل كاهل الاقتصاد الايراني، ومما زاد من الطين بلة رصد اعتمادات ضخمة للتسليح والبرامج النووية، وكل ذلك على حساب رفاهية الشعب الذي يعاني الضيّق بسبب تواصل الحصار الدولي ضد النظام الايراني. قمع الحريات وحرمان القوميات الايرانية من حقوقها القومية. سياسة التشدد الديني واتباع أساليب لاانسانية في تحيّد وتهميش الشباب الايراني من خلال فسح المجال أمام انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات بشكل واسع بالشكل الذي بات يهدد السلامة الاجتماعية للمجتمع الايراني. ملاحقة المعارضين للنظام ومعاقبتهم حتى في المنافي. حملات اعدامات واسعة ضد المعارضين للنظام. كل هذه الامور توضح حقيقة كون الانتخابات الايرانية ليست سوى لعبة بينية بين رموز النظام وأجنحته ضمن نطاق حلقة النظام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*