اليوم الخميس 19 أكتوبر 2017 - 7:27 صباحًا

  
  رئيس التحرير
  شكري رشدي



أصل مقولة « الشرق شرق والغرب غرب لن يلتقيا» .. بقلم : علي الكاش

غالبا ما يستخدم بعض الكتاب العرب عبارات وحكم وأمثال منسوبة لأدباء ومفكرين أجانب وهم لا يعرفون أن لها اصول بعيدة في أدبنا العربي، ولأن الحضارة العربية الإسلامية لها أصول راسخة وجذور أعمق من بين بقية الحضارات لذا فأنها غالبا ما تكون مصدرا ملهما ومهما لبقية الحضارات تنهل منه العلوم والفنون والمعارف. بلا أدنى شك الحضارة العربية شأنها شأن غيرها تداخلت مع بقية الحضارات مما جعل النسيج الحضاري العالمي متشابه لحد ما، ويكمل بعضه البعض بطريقة منسقة وجمالية مكتملة الصورة. وتبقى عملية التواصل والتداخل الحضاري على أهمية كبيرة، لكنها نحتاج الى من يطورها فكريا ويرفدها معلوماتيا كي تستفيد منها بقية الأمم.

الحضارة العربية الإسلامية لها فضل كبير على بقية الحضارات، والعكس صحيح، وقد إعترف المؤرخون الأجانب بجميلها حيث إستقوا الكثير من العلوم والمعارف والفنون والتي تطورت بقفزات حضارية متواصلة، لكن من المؤسف ان عجلة الحضارة العربية الإسلامية أفلت في نهاية العصر العباسي الأول، وأزدادت إضمحلالا وضعفا مع الغزوات الخارجية التي إستهدفتها من قبل البويهيين والسلاجقة والمغول والأتراك والصفويين، وصارت ساحة لمعارك الدول الكبرى وقدمت الكثير من التضحيات دون ان يكون لها ناقة او جمل في تلك الحروب، كالحروب العثمانية الصفوية، والحربين العالميتين الأولى والثانية. حتى عندما أزدهرت دولة الخلافة العثمانية توسعت ووصلت الى اوربا، فأن التطور الحضاري لم يرتقِ بشكل متوازي مع التمدد الجغرافي للدولة العثمانية، ولو تحققنا من أحوال الأمة العربية مثلا في العهد العثماني سنجد أن أوضاعها كانت متخلفة الى حد بعيد بإستثناء عاصمة دولة الخلافة والقاهرة وأقاليم متباعدة هنا وهناك.

ولأن الموضوع متشعب سنحاول إلقاء الضوء على بعض الأمثلة التي تؤكد مصداقية حديثنا، وسنتناول لا حقا بعض العلوم والمعارف العربية والإسلامية التي تجاهلها الخلف وإستفادت منها بقية الشعوب. وسنحصر كلامنا غي هذا المبحث على مقولة شهيرة منسوبة للشاعر الإنجليزي (روديارد كبلنغ 1865- 1930) المولود بالهند، والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1907 والمقولة هي ” الشرق شرق والغرب غرب‏..‏ ولن يلتقيا أبدا”.

بلا أدنى شك أن المقولة الشهيرة تحمل مصداقية كبيرة في مضمونها الفلسفي بسبب التباين الثقافي والعلمي والإجتماعي بين العالمين، مع ان هذا الإختلاف الحضاري لم يشهد قوته وعنفوانه صاحب الجملة نفسه. هناك من يتفق مع المقولة كليا او جزئيا، وهناك من يرفضها رفضها قاطعا، على إعتبار ان الشرق يضم الصين واليابان وروسيا (الجزء الشرقي) ودول أخرى متقدمة حضاريا. لذا فإن تقسيم العالم شرق وغرب فيه نوع من التشابك والخلط، سيما عندما يتعلق الأمر بالحضارة وأسسها ومقوماتها. كما ان الغرب مسوؤل لحد ما عن التخلف في الشرق بسبب السياسة الإستعمارية التي إعتمدها تجاهها. وهناك من ينتقد صاحب المقولة لأنه تجاهل مصطلح الشمال والجنوب الذي غالبا ما يسخدمه علماء الإقتصاد، حيث يرمز الشمال الى الدول المتقدمة، والجنوب الى الدولة المتخلفة على مستوى العالم، وأحيانا على مستوى الدولة الواحدة، فهناك تباين واضح ما بين الشمال المتحضر والجنوب المتخلف في معظم الدول.

لكن مقولة الشاعر البريطاني (Rudyard Kipling)  التي اشتهر بها اكثر مما اشتهرت به كتاباته الشعرية الأخرى، لها أصول في الأدب العربي القديم، وربما إستقاها من خلال اطلاعه على الأدب العربي المترجم للإنكليزية، سيما ان الشاعر قضى معظم عمره في الهند التي تضم الملايين من المسلمين، وعاش في الهند قبل ان تستقل عنها باكستان. وهذا الأمر ليس فريدا من نوعه، فالكوميديا الالهية لدانتي (1265-1321)، استقى أفكارها من كتاب المعري (رسالة الغفران) مع انه خص المسلمين بالجحيم دون بقية خلق الله! وتعرف جوته (1749-1832) على ألف ليلة وليلة وكتابات حافظ الشيرازي، فأنتج رائعته (الديوان الشرقي للمؤلف الغربي). وهذا ما يقال عن البير كامو وغيره، مما سنتناوله في مباحث لاحقة.

حول مقولة” الشرق شرق، والغرب غرب ولن يلتقيا أبدا” المنسوبة للشاعر البريطاني، التي اصبحت اشهر من نار على علم، يستشهد بها العديد من مفكري الشرق والغرب في كتاباتهم، وكتبوا عنها المئات من المقالات والبحوث والكتب. وكانت محورا لكثير من المؤتمرات والندوات الدولية،  فقد ألقى البروفيسور(توماس شيفر) محاضرة بعنوان” لا شرق ولا غرب، التواصُلُ الديني والحوار والسياسات المحلية في عصر العولمة” في جامعة كوبنهايكن، وقد تناول الموضوع من رؤية دينية بحتة، معتمدا على ما ورد من نصوص في الإنجيل والقرآن. وكذلك البروفيسور الألماني (جان أسمان) الذي ألقى محاضرة بعنوان (ترجمة الثقافة)، والدكتور غسّان سلامة وغيرهم.

يعتبر ادورد سعيد أفضل من كتب عن الشاعر ومقولته في كتابه المعروف (الثقافة الإمبريالية)، حيث خصص له فصلا كاملا بعنوان (ملذات الإمبريالية)، مبينا ان الإستعمار الإنكليزي للهند او ما يسمى بدرة التاج البريطاني، قد ولد الشعور والإنطباع عند الشاعر حول الفارق الشاسع ما بين الغرب المستعمر، والشرق الواقع تحت سيطرته، لذا من المستحيل ان يتلاقيا، انها أشبه بالعلاقة بين السيد والعبد، علاوة على تأثر الشاعر بجده القس الأنكليزي.

لنعود الى أصل المقولة التي سبق فيها العرب الشاعر البريطاني بعدة قرون، فقد ذكر الأصمعي من قول الشاعر:

أذكرك مجالس بني أسد … بعدوان فنحن إليهم القلب
الشرق منزلهم ومنزلنا … غرب: وأين الشرق والغرب؟ (زهر الأكم في الأمثال والحكم1/222)

كما قال شاعر آخر:

سارت مشرقة وسرت مغربا … شتان بين مشرق ومغرب    (ديوان الصبابة/93)

وقال ابو القاسم القالي: أنشدنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن، عَنْ عمه:
أذكر مجالس من بنى أسدٍ … بعدوا فحن إليهم القلب
الشرق منزلهم ومنزلنا … غرب وأنى الشرق والغرب  (الأمالي/69).

لذا فأصل المقولة كما يلاحظ عربيا وليس أجنبيا. لربما هذه المقولة المتواضعة لا تقارن بأعمال أدبية أخرى إستقاها مفكرو الغرب عن مفكري الشرق دون الإشارة الى أصلها العربي، وهذا لا يقتصر على الأشعار والكتب الأدبية  للكبار وانما بأدب الأطفال أيضا، فهناك الكثير من المغامرات العربية مثل علي بابا والسندباد البحري ومصباح علاء الدين وقصص ألف ليلة وليلة تجد لها أصول في الأدب العالمي، وغالبا ما يطمس أصلها العربي او تغير بعض الأحداث لتظهر القصة كأنها مغامر محلية، وانماما سنبينه في مباحث لاحقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*