اليوم الجمعة 15 ديسمبر 2017 - 4:33 صباحًا

  
  رئيس التحرير
  شكري رشدي



عمائم مفخخة تتملص من مسؤوليتها الشرعية .. بقلم :علي الكاش

يقظة الشعوب وإرتفاع مستوى وعيها بشأن حاضرها ومصيرها ومستقبل أجيالها القادمة لا تحتاج فرك المصباح السحري لظهورالجني لتحقيق الأماني والتطلعات الوطنية، ولا في إنتظار المخلص الذي يملأ الأرض عدلا، وإنما بالعمل المضني والسعي الدوؤب لتحقيقها والإدراك الحقيقي لأهميتها، وهذا شأن الدول المتحضرة. وفي الوقت الذي تدير فيه القيادات السياسية دفة الحكم في دولها وتتحمل المسؤولية الكاملة عن النجاح والفشل في إدارتها لمقدرات البلد في كافة القطاعات لتحقيق مطالب الشعب وأهدافه نحو التنمية والرفاهية والتقدم، فأن بعض بلدان العالم المتخلفة جعلت القيادات الدينية رديف للقيادات السياسية والعسكرية في إدارة شؤون الدولة، وهنا نتوقف أمام حالتين: اولهما ان تتفق القيادتين الدينية والسياسية على تقاسم المزايا بشكل لا يؤدي الى الإصطدام بينهما من خلال التنسيق والتفاهم المشترك في كافة الأمور بما يحقق مصالح الطرفين. ثانيهما: التعارض بين القيادتين وتحول التعارض الى إصطدام، وبالتالي إنفراد إحدى الجهتين في إدارة الدولة كما حدث في إيران  بعد الثورة الإسلامية، والعراق بعد عام الغزو الامريكي عام 2003.

كان لمرجعية النجف دورا رئيسا في المصادقة والتصويت على الدستور الجديد ومباركة العمليات الإنتخابية وحض أتباعها على إنتخاب النخب الفاشلة التي دمرت مقومات الدولة العراقية، ومع كل هذا الفشل الذريع في الدورة الإنتخابية الأولى، لم تتخلى مرجعية النجف عن دورها السياسي وطالبت شيعة العراق بإنتخاب نفس الوجوه الكالحة رغم فسادها، والشعب بدوره سلم زمام أمره لمراجعه ولم يستفد من دروس الدورة الإنتخابية الأولى والكوارث التي نجمت عنها. ومهما حاولت المرجعية التنصل عن دورها السياسي فيما آل اليه البلد، والذي فضحه بول بريمر ورامسفيلد والمجرم جورج بوش والسياسيون العراقيون علاوة على المرجعية نفسها، فأنها بلا أدنى شك أحد أضلاع مثلث خراب العراق، إضافة الى الضلعين الآخرين وهما(قوات الإحتلال الامريكي الإيراني)، و(شيعة السلطة وأتباعهم سنة السلطة) وهؤلاء لا علاقة لهم بشيعة وسنة العراق البتة.

بعد أن تراكمت المصائب على البلد، حاولت المرجعية أن تنأى ـ ربما وفق عقيدة التقية ـ عن دورها السياسي علنا، مع أنها تمارسه بكل ذكاء في السر، وفي الوقت الذي تدعي فيه بأن المرجع الشيعي الأعلى لا يلتقِ بزعماء العراق فأن بقية المراجع وابنه وصهره يلتقي بهم، كما ان المرجع الأعلى نفسه إلتقى بجميع الوفود السياسية الإيرانية التي زارت العراق وتباحث معهم في الشؤون السياسية للبلد. وكانت تدخلات المرجعية في قيادة البلد محبطة ومخيبة للآمال، سلسلة من الخيبات اطفأت وهج الثقة في قلوبنا مثما تطفيء الشمعة بنفحة هواء جاف، لم يبق منها سوى دخان مزعج مقزز أزكم أنوفنا.

من نتائج تدخلات المرجعية في العملية السياسية كما بينت منظمة اليونسيف” أن عدد النساء المطلقات والارامل في بغداد فقط وصل إلى 5 ملايين امرأة مطلقة وارملة”، مضيفة أن ” أسباب الطلاق الاوضاع الاقتصادية التي يشهدها البلد وعدم توفير العمل والعيش الملائم للعاطلين عن العمل”. وأضافت أن ” التفجيرات التي تشهدها بغداد وتردي الوضع الأمني وراء ارتفاع نسب النساء من الارامل”، لافتة إلى أن “على الحكومة المركزية ان تتخذ إجراءات حقيقية لمنع ارتفاع عدد المطلقات والارامل من خلال وضع خطط اقتصادية وأمنية للبلاد”.

كما كشف مؤشر ﺟﻮﺩﺓ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭ ﻓﻲ 30/9/2016 ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻨﺘﺪﻯ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻓﻲﺩﺍﻓﻮﺱ ﻟﻌﺎﻡ 2015 – 2016، أن العراق خارج التصنيف الدولي من حيث جودة التعليم، معتبرا أنه بلا تعليم، لأنه ﻻ يتوﻓﺮ فيه ﺃﺑﺴﻂ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺠﻮﺩة ﻓﻰ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ”. من جهة أخرى كشفت ( نجيبة نجيب) عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي في 15/1/2017 ” أن معدل الفقر في العراق ارتفع من 13.7% من عام 2013، ليصل الى 35% في 2016. وأضافت أن المتابعة أوضحت أن “35% من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر”. كما تزايدت حالات الطلاق بشكل ليس له سابقة في تأريخ العراق القديم والحديث. فقد اعلنت السلطة القضائية العراقية في 5/12/2016 عن احصائية كاملة لحالات الطلاق منذ عام 2004، وان اكثر حالات الطلاق حدثت في عام 2011. وسجل العراق من 2004 لغاية نهاية شهر تشرين الاول من العام الحالي(681011) حالة طلاق في المحاكم. واعلى الزيادات السنوية حصلت بين عامي 2008 و 2009، باكثر من 8.500 حالة. على الرغم من أن الإحصائيات في العراق بشكل عام غير دقيقة وتحاول تقزيم السلبيات وتضخيم الإيجابيات، فأن الأرقام الحقيقية غاليا ما تكون أضعاف ما تدعيه الحكومة، مع أن هذه الأرقام مهولة بحد ذاتها لو إفترضنا جدلا صحتها.

حاولت بعض الدراسات تحليل الظاهرة وتسطيحها بشكل مثير للدهشة كأن تعزي السبب الى المسلسلات التركية والأفلام المصرية، وعدم الجدية في بناء الأسرة و تسهيل الطلاق من قبل ذوي الأزواج، مع ان هذه الأسباب وان كانت تمثل جزءا هامشيا من الظاهرة، لكنها غير كافية ولا تعكس الأسباب الجوهرية التي تقف ورائها. فهناك أسباب أهم كالفقر وعدم القدرة على تحمل تكاليف المعيشة العائلية، ارتفاع الأسعار سيما السكن والسلع والخدمات ومستلزمات بناء الأسرة، النزاعات العشائرية والمذهبية، توفر البديل الأسهل من الإلتزامات الأسرية كزواج المتعة الذي تحض عليه المرجعيات الشيعية، الزواج دون بلوغ سن الرشد وهو ما سنته الزعامات الشيعية كحزب الفضيلة، وحاولت ان تشرعه كقانون جديد للأحوال المدنية لولا التصدي له بقوة من قبل القيادات السنية والكردية والشيعية غير الموالية لولاية الفقيه. علاوة على الهجرة الداخلية والخارجية والنزوح المليوني من المدن، وإنتشار الجهل والأمية فقد أفرزت العملية السياسية بعد الغزو أكثر من (5) مليون أمي، ولم يكن للمرجعية أي دور في هذا المجال لأن التعليم والثقافة والوعي من شأنه إبعاد الأتباع عنها وحرمانها من الخمس وهو الحبل السري الذي يغذي المراجع، علاوة على الإختلاف المذهبي بين الزوج والزوجة، وهذا الأمر يستحق شحن الذاكرة بالرجوع الى الخلف قليلا، لأن المرجعية نفسها تقف ورائه، إضافة الى الزواج من القاصرات وزواج المتعة.

خلال خطبة الجمعة 27/1/2017  في الصحن الحسيني بكربلاء، حذر ممثل المرجعية الدينية في كربلاء الشيخ عبدالمهدي الكربلائي من ارتفاع نسب الطلاق مقارنة بنسب الزواج، داعيا الى الاهتمام ببناء نظام الأسرة من خلال الدعم المادي والمعنوي، وسطح بشكل مثير للسخرية أسباب الظاهرة بقوله” ان من بين الأسباب التي أدت الى تزايد حالات الطلاق هو التساهل من قبل الزوجين وعائلتيهما مع مسألة الطلاق، فمرة نجد أهل الزوجين يدركون أهمية المحافظة على كيان الأسرة لصنع المواطن الصالح والحفاظ على المجتمع من التفكك والانهيار فيحاولون الإصلاح بينهما لتجنب الطلاق، ولكن اليوم صار البعض ينظرون الى الطلاق على أنه أمر سهل، وعند حصول أية مشكلة يلجأون إليه بدلا من اللجوء الى الإصلاح، في حين يجب أن يكون الطلاق هو آخر الحلول وأصعب الأمور وأشقّها علينا”. وسرعان ما أنهالت المقالات في اليوم التالي مشيدة بموف المرجعية الرشيد من الإهتمام بالأسرة، وهي أما أقلام مأجورة أو طائفية شدت لجام المرجعية على عيونها، لأنه ليس التساهل فقط هو الذي يقف وراء تفاقم الظاهرة كما حددته المرجعية؟

هل نسي الكربلائي فتوى السيستاني في 12/5/2008  التي وردت في موقعه بتحريم زواج السني من شيعية والعكس خوفا من الضلال وكذلك صلاة الشيعي وراء إمام سني؟ حتى ان  الكاتب الشيعي المعروف أحمد الكاتب وعدد من الكتاب والباحثين العراقيين والعرب وجهوا رسالة مفتوحة للمرجع الأعلى علي السيستاني مبدين استغرابهم لوجود بعض الفتاوى في موقعه / قسم الأسئلة والأجوبة حيث أفتى” بعدم جواز الزواج من السني لا دائما ولا متعة للخوف من الضلال”، وذلك جوابا على سؤال فتاة مستبصرة! وجاء في رسالة (جمعية الحوار الحضاري) الى المرجع السيستاني” ان الزواج المختلط بين السنة والشيعة يشكل عاملا مهما في مقاومة الفتنة الطائفية وإفشالها. وإذا كانت الفتنة الطائفية التي ضربت العراق في السنوات الماضية، قد أثرت سلبا على الزيجات المختلطة، مع الأسف الشديد، فإن دعاة الوحدة الإسلامية والوطنية يصرون اليوم على إشاعة الزواج المختلط وتشجيع الشباب من الفريقين عليه، وكسر الحواجز النفسية بين أبناء الشعب الواحد. ويأملون من سماحتكم تشجيع مقلديكم على ذلك وإصدار فتوى خاصة به. ونأمل أن تكون الفتوى المضادة المحرمة لزواج الشيعية من السني من الفتاوى القديمة التي صرفتم النظر عنها الآن، وأن تعيدوا النظر فيها، أو تبادروا إلى حذفها من موقعكم على شبكة الإنترنت”.

فكم من سني طلق شيعية والعكس خوفا من الضلال والإنحراف عن العقيدة يا كربلائي ويا أقلام المرجعية؟ الحياة الزوجية تتطلب الحب والإحترام والمودة والرحمة، وليس الكراهية والبغضاء والتفريق والعداء الذي تجلى في مواقف المرجعية من أهل السنة، لقد قطعت المرجعية الرباط المقدس بمقص الطائفية، فلا ينفعها الهروب من الحقيقة المعروفة من قبل الجميع!

هل نسيتم يا كربلائي كيف أشهرتم شعار (نصرة المذهب) بدلا عن (نصرة المواطنة) وأفتيتم بحرمة الزوجة على الزوج الشيعي الذي لا يصوت للقائمة الشيعية (555)، فشحنتم أتباعكم بالطائفية المقيتة وكراهية المواطن الآخر؟ وهذه ليست حالة جديدة فقد سبق أن أفتى المرجع مهدي الخالصي في20/10/1992 ردا على دعوة وزير الداخلية عبد المحسن السعدون للمحافظين المباشرة بالتحضير لإنتخابات الجمعية الدستورية ” قد حكمنا بحرمة الأنتخابات، والمشارك فيها يعتبر معادي لله ورسوله وأئمة المسلمين، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأي مسلم يشارك فيها  تحرم عليه زوجته ويمنع من دخول الحمامات العامة وينبذه سائر المسلمين”.

ألم تقدح عبقريتكم عن إيجاد بديلا للزواج والتحلل من القيود الأسرية والإلتزامات الزوجية ببضعة دولارات عبر زواج المتعة؟ مع أن التجربة افرزت في إيران عن مليون لقيط بإعتراف هاشمي رافسنجاني؟ بدلا من حث الشيعي على الزواج الدائم وتسهيل امره وحث الحكومة على تقديم المساعدات والسلف والقروض لبناء الأسرة بإعتبارها نواة للمجتمع، كما كان يفعل النظام الدكتاتوري السابق!!! عندما يتوفر زواج المتعة، فلماذا يلجأ الشباب الى الزواج الدائم والإلتزام بقيوده الشرعية والدنيوية؟

هناك الكثير من الزيجات التي تمت من فتيات قاصرات لا تزيد أعمارعن عن خمسة عشر سنة، ودأب المراجع التشجيع على هذا الزواج الشاذ الذي لا يتوافق مع عصر النهضة وتطورات الحياة، وحاول بعض المراجع شرعنته كقانون بإسم (القانون الجعفري) مع ان جعفر الصادق نفسه لم يتزوج من طفلة؟

نقول للكربلائي ان محاولة تسطيح المشكلة بهذا الشكل الساذج لا يمكن أن يعبر عن رغبة حقيقة في حلها، وبدلا من الحلول الترقعية لمشكلة أنتم أحد أبرز أطرافها تترتب عليكم مسؤولية شرعية في المشاركة في حلٌ المشكلة مع الحكومة التي باركتوها ودعوتم أتباعكم الى إنتخابها نصرة للمذهب الذي خربتموه كما خربتم الدين والوطن والشعب.

قال الشّعبي: تعايش الناس زمانا بالدّين والتّقوى، ثم رفع ذلك فتعايشوا بالحياء والتذمّم، ثم رفع ذلك فما يتعايش الناس إلا بالرغبة والرهبة، وأظنه سيجيء ما هو أشدّ من هذا”.( عيون الأخبار3/393)، وقد أتى هذا اليوم.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*