اليوم الخميس 14 ديسمبر 2017 - 8:23 صباحًا

  
  رئيس التحرير
  شكري رشدي



تهديد الكاتب بالقتل هي جريمة كالقتل .. بقلم : علي الكاش – مفكر وكاتب عراقي

ali el kash

موقف طبيعي ان ينقسم الكتاب في كل مجالات المعرفة الى مؤيدين ومعارضين للفكرة التي يطرحها الكاتب، لكن في المجال السياسية يخرج السجال غالبا عن المطارحات الفكرية والتي فيها منفعة للكاتب ومعارضيه من جهة والقراء من جهة أخرى بإعتبارهم الميزان الحقيقي الذي يرجح رأي الكاتب أو معارضه الى وسائل أخرى تتلخص في الترغيب والترهيب. لقد أرسى الكاتب الفرنسي فولتير في كتابه رسالة التسامح قاعدة أساسية في النقاش سرعان ما تحولت الى حكمة تتدوالها الأجيال بقوله” قد أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد لأن أموت دفاعاً عن رأيك”. فعلا كل منا حر في التعبير عن رأيه على أن لا يتجاوز عن مقدسات الآخرين أو الإعتداء عليها مع التحفظ على ما يعتبره البعض مقدسات وآخرين يستهينون به، فهنا لا يستدعِ الأمر الإفصاح عن التعبير طالما أن فيه إساءة أو جرح لشعور للآخرين، وإنما الإحتفاظ بالراي للنفس. ربما يجد الإنسان عبادة الحيوان والنبات او الأشخاص حالة مثيرة للإستهجان والسخرية، ولكن ليس من المعقول أن يعتدي على بقرة في الهند مثلا.

التأريخ العربي والإسلامي لم يغفل هذه الناحية، فقد جاء في سورة النحل/125(( وجادلهم بالتي هي أحسن))، بل ان المسلمين سبقوا فولتير بقرون عديدة عندما وضعوا شروطا رائعة للنقاش وسموه (أدب المناظرة)، قال الاصفهاني” اجتمع متكلّمان، فقال أحد هما: هل لك في المناظرة؟ فقال: على شرائط أن لا تغضب، ولا تعجب، ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلا، ولا تجوز لنفسك تأويل آية على مذهبك إلا جوزت إلى تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتعارف وعلى أنّ كلامنا يبني مناظرته على أن الحقّ ضالته والرشد غايته”.

في عالم السياسة ـ حيث يكون للمال دور مهم في تسير ماكنة الإعلام ودفعها عجلاتها إتجاه نصرة شخصيات معينة ـ تختلف الأساليب المتبعه ما بين المؤيدين والمعارضين على كل الصُعد. في العراق بعد الغزو الأمريكي أسست ما تُسمى بشبكة الأعلام العراقي والتي بَشروا بموجبها العراقيين بأنها ستكون على وزن محطة (بي بي سي) و (سي أن ان) مع أن هاتين الشبكتين تابعتان للمخابرات الأمريكية، وهما تلمعان صورة الرئيس الأمريكي وسياسة البيت الأبيض، وكان دورهما واضحا قبل وبعد الغزو الأمريكي لإفغانستان والعراق. حذت شبكة الإعلام العراقي حذو النعل بالنعل مع ربيباتها الشبكتين الأمريكيتين، فصارت لسان حال الحكومة، من ثم إنحدرت الى الحضيض عندما صارت لسان الحاكم وحزبه وطائفته. فقدت الشبكة جمهورها وصارت موضع سخرية الرأي العام العراقي بأخبارها وبرامجها التافهة، فعزف عنها العراقيون، وصار عدم وجودها أفضل بكثير من وجودها.

كذلك إنشطرت بقية وسائل الإعلام الى ثلاثة أقسام، مؤيدة للحكومة، تدعمها الأحزاب الحاكمة، وأخرى معارضة للحكومة وأغلبها خارج العراق لتكون بمنأى عن إعتدءات وتهديدات الأحزاب الحاكمة والميليشيات الخاضعة لها، والأخيرة محايدة، وهذه تحتاج الى وقفة صغيرة. من الطبيعي أن يستظل الإعلاميين والكتاب كل في الخيمة التي تناسبه. بالطبع الكتاب الذين يقفون ضد الحكومة هم الوطنيون الذين يرون أن وطنعم يندفع بسرعة الى الهاوية بسبب فساد الأحزاب الحاكمة، وجلٌهم من المتضررين من سياسات الحكومة الطائفية والعشائرية والفساد، أو هم ممن افنوا زهرة شبابهم في خدمة العراق، فتنكر لهم وطردهم لخارجه، تركوا الخدمة الطويلة طوعا أو قسرا لا راتب ولا تقاعد. علاوة على الأحزاب والتجمعات السياسية والدينية والثقافية المعارضة للحكومة وسياساتها التعسفية وفسادها وطائفيتها والظلم الذي طال معظم العراقيين.

أما الجهات المؤيدة للحكومة فتتمثل بالإعلام الحكومي الرسمي وإعلام الأحزاب الحاكمة التي صارت أشبه بالدكاكين، وتمويلها من أموال الشعب المسروقة والسائبة. أنظر الفضائيات العراقية التي تتجاوز المائة! جميع أصحابها ممن كانوا يتسولون على أبواب عتبات المخابرات الأجنبية والعربية في بريطانيا وامريكا وفرنسا وكندا وسوريا وعمان ومصر ولبنان وغيرها، تحولوا بعد ان حالفهم الزمان الأغبر ألى اصحاب مليارات. قال منصور الفقيه:

يا زماناً ألبس الأح … رار ذلاً ومهانهْ

لست عندي بزمان … إنما أنت زمانَه

ينطوي تحت جناح هذه الفضائيات والصحف والمجلات الآلاف من الصحفيين والإعلاميين المأجورين، سيما بعد أن بانت الفضيحة الكبرى، وكشف ان للمالكي جيشا من الكتاب والصحفيين يبلغ الآلاف، يصرف لهم من ميزانية الدولة لقاء الدفاع عن سياسته الطائفية والفاسدة، وإطلاء صورىه بأصباغ مختار العصر الباهتة، وتوكيلهم مهمة السباب والشتائم والتهديدات للكتاب والإعلاميين المعارضين للحكومة. أما الذين يقفون على الحياد فهؤلاء لا يمكن القول بأنهم محايدون، الحياد لا يكون دائما إيجابيا، لو إفترضنا أن جارك يتعرض الى إعتداء من قبل لصوص يسرقوا داره ولا تقف الى جانبه أو تتصل بالشرطة على أقل تقدير، لا يمكن أن تصف نفسك بالحياد. الذي يدافع عن الفاسدين هو فاسد مثلهم، والذي يقف على الحياد وبلده يُسرق أمام عينيه ولا يتحرك، لا يقل فسادا عن المفسدين. الذي يقف على الحياد وهو يرى الإرهاب يعصف بشبعه، والفساد ينخر سقوف الدولة، وجيوش من الأرامل والأيتام بلا معين، وإنتشار الجهل والأمية والفقر والجوع والبطالة والتزوير والرشاوي وأزمات الماء والكهرباء والخدمات، وتشطي العراق الى كانتونات مذهبية وعنصرية وعشائرية، كل هذا ويقف على الحياد! لا يمكن أن يكون هذا حيادا سمِه ما شئت لكنه بالتأكيد هو موقف سلبي.

الكتاب الذين يعارضون سياسات الحكومة هو الصفوة الخالصة من الكتاب الوطنيين وهم بعيدون هم هبات وإكراميات الحكومة الضالة والأحزاب الفاسدة، لذا غالبيتهم يعانون من شظف العيش وسوء الحال، بعد أن حُرموا من وظائفهم الحكومية ورواتبهم التقاعدية، وهاجر الكثير منهم الى خارج العراق بسبب التهديدات التي تتوالى عليهم من قبل الميليشيات الحكومية والمافيات من الكتاب المأجورين. حتى المواقع الوطنية الكثير منها أغلق بسبب الصعوبات المالية، والعجب كل العجب من وجود العديد من أصحاب الملايين ممن لا يحسبون على الحكومة الفاسدة، وهو يتقاعسون عن خدمة هذه المواقع الرائدة ودعمها ماليا. وهذا الأمر ينطبق على رجال الأعمال العرب الذي ينفقون الملايين من الدولارات على الليالي الحمراء والطرب والدعارة، ولا يخطر على بالهم مساعدة مواقع وطنية تدافع عن الوطن المغتصب من قبل حفنة من الفاسدسن والعملاء. والأكثر أسفا هو الرأي العام العربي والمحلي المضلل والغارق في الجهل وقلة الوعي والإيمان. على سبيل المثال أجرى موقع الغوغول إستفتاءا حول تسمية الخليج العربي او الفارسي لإطلاق التسمية الرسمية من قبله، وفشل العرب في جمع نصف مليون صوت، وكذلك الحال مع إحالة ملف فساد المالكي وجرائمة للمحكمة الدولية، في حين إستفتاءات (ستار اكاديمي) يصوت لها عشرات الملايين من العرب!

ما أن ينشر الكتاب الوطنيون كتابا أو مقالة حتى يبري المأجورون أقلامهم الحادة ويتقيأون عليهم أقذع أشكال السباب والتهديد، مقرونة ببذاءة لسان العاهرات، يشمل سبابهم أهل الكاتب وهم لا علاقة لهم بالموضوع، وربما لا يتفقون أصلا مع رأي الكاتب. والأنكى منه السيل الغادر من التهديدات والوعيد من قبل الميليشيات الحكومية بالقتل أو بسحب الكتاب أو المقالة، أو وتقديم إعتذار وإلا كان الموت يترقب بالمرصاد.

وهذا ما حصل مؤخرا عندما نشر الكاتب العراقي اللامع صافي الياسري مؤخرا كتابه (أباطيل الباطل) الذي نزع ورقة التوت الأخيرة عن عورة نظام الملالي. فقد تعرض الياسري الى موجات من التهديدات بالقتل بسبب كتابه! والمثير للألم أن يكون مصدر هذا التهديدات ليس نظام الملالي فحسب، وإنما الميليشيات العراقية وكتابها المأجورين، علما ان الكتاب لا يتحدث عن العراق بل عن النظام الإيراني، مع إنهما في الحقيقة وجهات لعملة واحدة. من المؤسف حقا أن يقف عراقي ضد عراقي ويهدده بالقتل دفاعا عن نظام أجنبي قمعي، ظالم وفاجر، وفق المعايير الدولية وليس الشخصية.

المحاورة والنقاش والرد على الكاتب يفترض أن يكون عبر الكتابة فقط وبلا تجريح أو تهديد بالقتل. من البديهي ان للجميع الحق في تأييد او معارضة الكاتب فيما يكتبه من أمور سياسية وإقتصادية وثقافية ودينية، فهؤلاء ليسوا كتاب معادلات رياضية لا تقبل الخطأ والنقاش، وإنما هي أراء وإستنتاجات قد تدعم بوثائق ومستندات، وهي قابلة للنقاش والردٌ والدحض، فهذا حق مكفول لكل الأطراف. مثلما للكاتب فضاء من الحرية فيما يكتب، فأن من يعارضة له نفس الفضاء من الحرية في الرد. صحيح أنه صراع، لكنه صراع ثقافي، أسلحته الأقلام، وذخيرته الأفكار، وساحته الجبهات الإعلامية المتعددة. لذا من المعيب جدا أن يُسلٌ السيف على من يحمل القلم، بل هو عار ما بعده عار. أن أخالفك الرأي، وتخالفني الرأي امر محمود، بل أن فلسفة هيجل الجدلية تقوم على الصراع بين الفكرة والفكرة المعارضة لها، فتنبثق فكرة جديد، وتخلق فكرة معارضة لها وهكذا دواليك تتطور الأفكار والحياة البشرية.

ذكر ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار” قال رجل من أهل المدينة: جلست إلى قوم ببغداد فما رأيت أوزن من أحلامهم ولا أطيش من أقلامهم”. سبحان الله! كأنما التأريخ يعيد نفسه في العراق بعد إثني عشر قرنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*