اليوم الخميس 14 ديسمبر 2017 - 8:20 صباحًا

  
  رئيس التحرير
  شكري رشدي



جلسة الفاسدين تضاهي مسرحية مدرسة المشاغبين.. بقلم : علي الكاش – مفكر وكاتب عراقي

ali el kashلا يزال دوي جلسة النواب التي أستضيف فيها وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي مثار جدل، وتشغل الرأي العام العراقي، سيما أنها تتعلق بالحزب الإسلامي وإتحاد القوى وكلاهما محسوب على سنة السلطة. ومن تابع الجلسة بعد أن بُثت بلا تقطيع، يتوقف مفكرا مليا وهو يشاهد كيفية إدارة الجلسة، كأنه يشاهد مسرحية مدرسة المشاغبين، صحيح أن الكل يمثل على الناس في المسرحية والجلسة، لكن الناس تميز بين الممثل الفنان والممثل النائب. الممثلون في المسرحية أضحكونا، والممثلون في الجلسة أبكونا، الأولون كانوا الجمهور يضحك عليهم أو على أدائهم، بينما كان النواب يضحكون على الشعب.

لمن أستطاع ان يكمل مسرحية النواب ـ كان الله في عونه ـ يقف مبوهتا ومشدوها أمام حقيقة محيرة: هل هؤلاء هم حقا من يمثلون الشعب العراقي؟ أي شعب هذا الذي يمثله هؤلاء النواب؟ هل فعلا هناك شعب عراقي كباقي الشعوب أم شرائح متناقضة ومتصارعة هناك وهناك لا رابط بينها هي التي أنتخبت هؤلاء الأمعيين؟ أن كان ممثو الشعب بهذه الأخلاق السيئة والإنفلات والحماقات، فكيف يكون حال الشعب، بإعتبار ان النواب هم الصفوة والنخبة الإجتماعية، وعلى هذا الأساس تم إنتخابهم؟ ألا تصح الحكمة القائلة ” كيفما كنتم يُولى عليكم”؟ وأن إناء الشعب نضح بهؤلاء الشراذم؟

هل تختلف لغة اهل الشوارع عن لغة النواب والوزير؟ وهل ما ذكره الوزير وهو يكرر قسمه مرارا وتكرارا تمثل وقائعا تفيد من الناحية القانونية (قال لي فلان) و(زارني فلان) و(طلب مني فلان) مجرد كلام يصعب إثباته لأنه تم في منزل رئيس مجلس النواب واماكن أخرى خارج الوزارة أو داخلها؟ لو إفترضنا جدلا بأن ما قاله الوزير صحيحا، ونه رفض كل الوساطات والرشاوي، بمعنى أن العمليات اللاقانونية لم تتحق وإنما هي محاولات باءت بالفشل، لأن الوزير رفضها، وهذه المحاولات تمكن رئيس مجلس النواب الإدعاء بكل بساطة بأن دوره الرقابي يسمح له بإختبار نزاهة الوزراء. وإنه طلباته من الوزير كانت ضمن هذا الإطار الرقابي لا أكثر.

كما أن الوزير نفسه يُدان بعدة تهم خلال الإستجواب، منها أنه تهرب من الأجوبة، وحول مجرى الإستجواب من الدفاع عن نفسه الى الهجوم على الآخرين. كما أنه تحدث عن تهم لا علاقة للحكومة ولا مجلس النواب الحالي بها لأنها تمت في عهد حكومة المالكي الأغبر. بمعنى أن الوزير تستر عليها، ولم يبلغ الجهات القضائية رغم تسيسها وعدم نزاهاتها. حتى الوساطات والرشاوي التي تمت خلال إستيزار الوزير العبيدي، فأنه سكت عنها ولم يُبلغ بها الجهات القانونية. بمعنى أنه تستر على الجرائم، والقانون يُدين من يتستر عليها. بل أن الوزير نفسه مارس الوساطة من خلال الطلب من وزير التربية تعيين ثلاثين موظفا، وتم توظيفهم في الوزارة، وإستجاب وزير الدفاع لطلب وزير التربية وقام بالمثل! بمعنى ان الوزيرين متهمان بالفساد الوظيفي.

يتحدث الوزير عن صفقة كبيرة بحضور رئيس مجلس النواب ورجل ضخم لا يعرف حتى أسمه! وتحدث النكرة بصراحة عن رغبته في إحالة صفقة إطعام الجيش اليه، هل يجوز ان يلتقِ الوزير مع شخص على هذه الأهمية، وكل ما يعرفه عنه انه (ضخم الجثة)؟ اليس من المفروض أن تكون هناك عملية تعارف مسبق بين الطرفين، والا كيف يقبل الوزير أن يتحدث مع نكرة يعرفه شخصيا، لكن الوزير لا يعرف النكرة؟

هل يعتقد الوزير بأن رئيس مجلس النواب وعائلة (آل كربولي) لا يمتلكون ملفات ضده؟ نسأل الوزير نفسه: الم يكن ملف الجنود الفضائيين قد كشف خلال فترة إستيزاره، وكان متسترا عليه؟ ولم يكشفه إلا رئيس الوزراء من خلال تدقيق رواتب الجنود، وسرعان ما طُمطم الملف لغاية في نفس يعقوب، ولم تجرِ عملية كشف باقي الجنود الفضائيين، كما وعد رئيس الوزراء ووزير الدفاع؟ هل ملف الفضائيين أقل أهمية من ملف الصفقات التي ذكرت، سيمان ان البلد يخوض غمار حرب شرسة ضد تنظيم داعش الإرهابي؟ حتى الملفات المعدودة التي تشدق بها وزير الدفاع والتي لا تزيد عن خمس أو ست ملفات ولم تنفذ، لا تشكل خطورة وأهمية أمام المئات من الصفقات الفاسدة التي نفذت وفقد العراق فيها المليارات من الدولارات، بما فيها عقود وزارة الدفاع. نسأل: أيهما أهم من وجهة نظر المصلحة الوطنية هل التحقيق في ملفات فساد التي لم تنفد بسبب رفضها من قبل الوزير، او التحقيق في ملفات تمت، وخسر العراق فيها مئات المليارات من الدولارات؟

منذ أشهر والحرب مستمرة بين القوات العراقية وداعش، والدماء العراقية العراقية تنزف من الجانبين، وجبهات القتال مشتعلة، ولم نرَ الوزير مرة واحدة في الخطوط الأمامية مع جنوده، بل أن تواجده في الإستوديوهات ومع الصحفيين اكثر منه في جبهات القتال. هل سمع أحد يوما وزير الدفاع يتحدث عن خططه العسكرية وإنجازات الجيش، سيما ان زعماء الميليشيات يصرحون بأنهم هم وراء تحقيق الإنتصارات وليس الجيش العراقي؟ بل ان رئيس الوزراء حيدر العبادي نفسه صرح بكل وقاحة” لا تتحرشوا بالحشد الشعبي، لولاه ، الله اعلم كان صرنه إحنه وين”. لولا الفراغ الذي تركه وزير الدفاع وما يسمى برئيس اركان الجيش وهو من صلب واجباتهما، لما ملأ زعماء الميليشيات الفراغ  بهذه الخزعبلات المهينة للجيش العراقي ووزير الدفاع شخصيا؟ هل أصدرت وزارة الدفاع بيانات رسمية عن سير المعارك لتُعرف المواطن العراقي بما يجري على ساحته دون الإستعانة بمصادر أجنبية؟ حتى التصريات الصادرة عن وزارتي الدفاع والداخلية مبالغ فيها بشكل يدعو إلى الريب والسخرية، لو احصينا مثلا خسائر داعش من الأرواح حسب التصريحات، لكانت عشرات الآلاف، مع إنهم بضعة آلاف بإعتراف الحكومة. كما أشارة الةى أسر المئات من الداعشين، وتبين من تصريح رئيس الجمهورية إنه لا الجيش ولا الميليشيات أسرا داعشيا واحدا! كله تدبيس في تدليس! ويفترض أن يحاسب عليه وزيري الدفاع والداخلية والقائد العام للقوات المسلحة.

الوزير ونقولها بصراحة تامة لا كرامة له ولا مهنية في عمله، وهذا أمر مؤسف! وإلا كيف يقبل بتواجد الجنرال الأيراني سليماني في قواطع العمليات وهو الذي يخطط ويشرف على سير العمليات العسكرية؟ أن تصريحات وتواجد سليماني في قواطع العمليات اكثر من وزير الدفاع العراقي نفسه! وهذا ما لا يتقبله الشرف العسكري. بل هو خزي وعار على الجيش العراقي إبتداءا من القائد العام للقوات المسلحة مرورا بوزير الدفاع وإنتهاء بالجندي العراقي. ثم ما الغرض من كل هذه الرتب الضخمة في الجيش العراقي التي لا فائدة منها طالما ان سليماني هو من يخطط ويقود ويشرف ويحصد ثمار الإنتصارات، ويتبرأ من الإخفاقات؟ هذه الرتب المغالى فيها لا يوجد لها مثيل حتى في الجيشين الامريكي والروسي؟ كم من المبالغ تَستنزف هذا الرتب العالية من خزينة الدولة العراقية كرواتب ومخصصات ونثريات وسيارات وحمايات وغيرها؟

مئات المليارات من ثروات العراق صرفت على الجيش العراقي الذي هرب في اول مواجهة له مع تنظيم داعش، مليون جندي وبأحدت الأسلحة والتقنيات العسكرية والإمكانات والتدريب الأمريكي والإسناد الامريكي والغربي، هزمه بما لا يزيد عن الفين داعشي بإعتراف الحكومة نفسها؟ ما فائدة المليارات التي صرفت على هذا الجيش المهلهل ووزرائه وضباطه الفضائيين؟

هل يعرف هذا الوزير إنه لولا الإسناد الأمريكي وحلفائه، لما تمكن الجيش العراقي ولا ميليشيات الحشد الطائفي وجحوش أهل السنة من تحرير شبر واحد من الأراضي التي أحتلتها داعش؟ ناهيك عن مشاركات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني والمرتزقة وغيرهم.

هل يعرف وزير الدفاع بأن وزارته ووزارة الداخلية هي من أفسد الوزارات في العراق على صعيد الفساد المالي والأخلاقي؟

سمعنا الكثير من الإهانات والسخريات التي كال بها زعماء ميليشات بدر وعصائب أهل الحق والخراساني والنجباء للجيش العراقي وضعفه، بل وصلت الأمر الى تحديات للوزير نفسه، فهل ردُ الوزير على أي من هذه التصريحات الخرقاء؟ كلا! لكن ما هو السبب؟

السبب لأن وزير الدفاع شخصية صورية، وهو أضعف الوزراء، وأنه جاء بموجب المحاصصة الطائفية، وغير قادر على لجم لسان اي من زعماء الميليشبا الشيعية، العكس هو الصحيح. أنه في حقيقة الأمر ليس أكثر من جندي بإمرة الجنرال سليماني.

لا يعني هذا ان رئيس مجلس النواب سليم الجبوري أفضل منه، بل هو أكثر عمالة وخسة منه، الذي يزور إيران ويدعي بأن لها دور إيجابي في أمن العراق، لا يستحق اكثر من مداس يدخل في فمه الذي يتقيأ بمثل هذه القاذورات. أما آل (كربولي)، فهم بالتأكيد أحد مافيات الفساد القوية، لكنها ليست أقوى من مافيا المالكي وإبنه أحمد، وليس أقوى من مافيا حسين الشهرستاني، ولا من مافيات حزب الدعوة، ولا مافيا حزب (فضيلة النفط). كلهم خونة وعملاء وفاسدون وجبناء، لا حلٌ لهم سوى أن يُرموا عراة في مكبات النفايات بعد أن يجردوا من كل ما سرقوه من ثروات العراق.

لكن السؤال المهم: متى؟

هذا في علم الغيب، طالما أن الشعب العراقي مخدر بأفيون المرجعيات الدينية، وطالما ان الطائفية والعشائرية والعنصرية تسمو على المواطنة، وطالما ان العراقي لا يشعر بأن ما يُسرق إنما هو من ثروته وهو صاحب حق فيها. فلا أمل الآن.

عندما ينهض الشعب العراقي من غفوته، سنقول: تُذكرنا نومتك بنوم أهل الكهف! صحوت بعد أن خُربت البلاد، وسُبي العباد!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*