اليوم السبت 16 ديسمبر 2017 - 2:54 مساءً

  
  رئيس التحرير
  شكري رشدي



مطلوب رجـل رشيد .. بقلم : محمد درويش

درويشمثل الغول والعنقاء والخل الوفي، يأتي الرجل الرشيد لتصبح المستحيلات أربعة في مصرنا هذه وأيامنا تلك وزماننا الذي نعيشه.
عندما خاطب نبي الله قومه الذين رفضوا الانصياع للفطرة وتلبية دعوته للإيمان بالواحد القهار، سألهم مستنكراً: يا قوم أليس منكم رجل رشيد؟.
كان الرجل يعرف أن سؤاله بلا إجابة، لأنه لو كان فيهم رجل واحد رشيد لآزره ووقف معه واستطاع أن يجلب إلي دعوته معظم أبناء قومه إن لم يكن كلهم.
ولأن الأمر خرج من بين يدي النبي المرسل، كان لابد أن يتدخل الخالق سبحانه ليحسمه وليخلص الأرض من الظالمين، فكان العقاب بأشد العذاب.. عقاب لا يستطيع نبيهم أن يتولاه ويؤديه كما ينبغي، فكان عقابا إلهيا استخدم فيه الخالق جنوده علي الأرض من رياح أو فيضان أو صيحة وغيرها مما لا يقدر عليه بشر سواء أن يفعله أو أن يتقي تبعاته.
في غياب الرجل الرشيد دفعت أمم وأقوام علي مدي التاريخ الإنساني الثمن فادحاً، لو تواجد رجل رشيد وقدّم النصح لطاغية مثل جنكيز خان أو هتلر أو ستالين أو حتي زعيم كوريا الشمالية الحالي..
لو كان هناك رجل رشيد ينصح بما يمليه عليه ضميره ويبتغي وجه الله ومصلحة الوطن، وحتي لو كان ملحدا ولكنه علي فطرة الإنسان التي جُبِلَ عليها من قيم الحب والعدل والجمال، لتغيرت مصائر شعوب ولتغير مصير البشر في كثير من الحقب والعصور.
لو كان هامان رجلا رشيدا لأقنع فرعون بأنه ليس إلهاً، وأنه لا يستطيع أن يبني له صرحا ليطلع به علي رب موسي، لكنه أيده في غيه ورؤيته لنفسه، زادت عند فرعون غطرسته ونظرته الفوقية للبشر ولم ينتبه إلا بعد فوات الأوان ليعلن إيمانه برب موسي وهارون، ولكن هيهات. أين كان والسحرة كلهم يسجدون لما عرفوا أنه ليس سحرا؟. أين كان ونفر من شعبه يتوسلون إلي سيدنا موسي أن يدعو لهم ربه برفع غضبه ومقته عنهم؟. أين كان وهو يري المعجزة تلو المعجزة؟. أين كان وهو يري البحر ينشق ليعبر موسي وقومه؟.. أعماه غروره وغطرسته عن الإحساس بالمعجزة والتأكد أنها ليست له ولكنها لنبي الله، وبدلا من أن يخرج رجل رشيد يحذره من محاولة العبور، انصاعوا لأوامره وساروا وراءه وأمر الله موسي أن يترك البحر رهواً فإنهم جندٌ مغرقون.
في كل زمان أو مكان مهما صغر أو كبر عندما نفتقد الرجل الرشيد الذي ينال ثقة كبير المكان ويتيقن أنه في مأمن من شره، ينصلح حال المكان وينعكس علي حال من فيه وتسير الأمور كما يجب أن تسير وكما ينبغي أن تكون.
ابحث في المكان الذي تنتمي إليه، فتش عن ولائك وولاء من معك، لمن؟.. هل الولاء للمكان أم لرب المكان؟.
أتصور أن الولاء للمكان سيتبعه تلقائيا الولاء لرب المكان من خلال الاستجابة لأوامره وتصويب ما يتماشي مع الولاء للمكان.
ولكن ماذا لو كان الولاء لرب المكان فقط، سنصبح مثل أرض السوء التي لم يحاول أي من أهلها أن يثني الرجل الذي قتل 99 نفسا عن الاستمرار في سلسلة جرائمه منذ أول قتيل، تركوه يعيث في الأرض فسادا، بل ربما شجعوه، سواء بصمتهم عن هذه الجرائم أو مداهنته اتقاء لشره، الوحيد الذي لم يداهن وأفتي بأنه ليس له توبة قتله ليكمل العدد إلي مائة قتيل، أما العالم الذي لجأ إليه وأكد له أن باب التوبة مفتوح أمام العبد ما لم «يغرغر» أي يدخل في سكرات الموت، فقد أشار عليه بأن يترك أرض السوء التي كانت مرتعاً لجرائمه بأخلاق أهلها وسوء ما يعملون.
نحن في زماننا هذا في حاجة إلي هذا الرجل، رجل كان مطلوبا في كل العصور ولم يظهر إلا نادرا.. ما أحوجنا إليه الآن في كل مكان من مؤسساتنا به رعية وعلي رأسه راع مسئول.
كيف نجده؟.. والأهم هل نعطيه الفرصة ليظهر وينقذنا من الغرق الذي ينتظرنا.
عيد ميلاد إذاعة
القرآن الكريم
خلال الأيام الماضية احتفلت إذاعة القرآن الكريم بعيد ميلادها الثاني والخمسين وأمس سعدت بخبر حصول الاذاعة علي جائزة مسابقة تحفيظ القرآن الكريم الكويتية باعتبارها أفضل إذاعة مصرية في خدمة القرآن الكريم ولا أعرف لماذا لم تمنح أيضا جائزة أفضل اذاعة عربية بل وعالمية ؟.
وصباح أمس شدت مسامعي لقاءات لواحد من أكبر مذيعي محطة القرآن الكريم الأستاذ سعد المطعني وهو يحاور عددا من الفائزين في مسابقة حفظ القرآن الكريم المنعقدة في شرم الشيخ، لم يستطع المذيع أن يحبس دموعه وهو يحاور طفلا كفيفا عمره عشر سنوات ونصف السنة سأله كيف له أن يحفظ القرآن وهو في هذه السن؟ وأيضا هو كفيف وكان رد الطفل أن الله سبحانه قال في كتابه العزيز:
«ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» سورة القمر الآية ١٧.
والمدهش أن الطفل يحفظ القرآن بقراءاته العشر مشيرا إلي أسماء أصحابها.
واغرورقت عيناي بالدموع عند حديثه مع طفلة لا يتجاوز عمرها السنوات الثماني وهي الحاصلة علي الجائزة الأولي بين أقرانها.
جلست أفكر في القرآن كمعجزة إلهية، هل الاعجاز في حفظ كتاب الله تعالي يكمن في الشخص الذي يحفظه عن ظهر قلب وأحيانا يكون في السادسة من عمره.
أما أن الإعجاز يكمن في الكتاب نفسه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه.
ودون تردد أو تفكير طويل أيقنت أن الاعجاز في القرآن الكريم ذاته، فهناك من لا يعرف من العربية شيئا ولكنه يستطيع أن يحفظ من آيات الله ما يستطيع وما يريد.
وبحثت علي مدي التاريخ عن كتاب واحد بحجم القرآن أو أقل بكثير سواء كان فكرا أو شعرا وسألت نفسي هل يذكر التاريخ أحداً حفظ كتابا لشاعر أو مفكر أو روائي مهما علا شأنه وخلدت سيرته.
هل من قراء هذه السطور أن يدلني علي كتاب واحد منذ أن عرف إبن آدم الكتابة حتي يومنا هذا استطاع أن يسيطر علي وجدان واحد من العلماء أو المفكرين أو الأدباء ليحفظه عن ظهر قلب ويباهي به أقرانه ويتوج به حبه لمؤلفه أو قناعاته به.
ليس في التاريخ ما يدل علي ذلك ولن يري التاريخ وحتي قيام الساعة كتابا يحفظه نفر من جيل بعد جيل من أعمار متفاوتة وأماكن متفرقة في شرق العالم وغربه وأصحاء أو أصحاب أسقام وعلل.
هذا هو القرآن الكريم.. القرآن العظيم الذي تحدي الله به أساطين العربية مؤكدا أنه لو أجتمعت الأنس والجن علي أن يأتوا بمثله لن يستطيعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
وإذا كانت عيناي قد دمعتا مع سعد المطعني وأنا أسمع حواراته مع الفائزين الأطفال فإن قلبي يتحسر وأنا أقرأ كلماته سبحانه: «إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا» سورة الفرقان الآية ٣٠.
وأتصّور أن المقصود هجر أحكامه وأوامره ونواهيه، فما أكثر النسخ المطبوعة وما أكثر حافظيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*