اليوم الأربعاء 16 أغسطس 2017 - 11:37 مساءً

  
  رئيس التحرير
  شكري رشدي



ماليزيا النجم الذى يخفت ! .. بقلم : حسن الهامى

hasan elhameبزغ نجم ماليزيا، ابان حكم رئيس الوزراء الاسبق مهاتير محمد 1981- 2003، وقبله كانت ماليزيا مجرد دولة زراعية صغيرة تعتمد مواردها على زراعة الموز والاناناس وصيد الاسماك، وتصدير القصدير، لكنه ارتأى مستقبل بلاده فى بناء دولة صناعية متقدمه وعالية التقانه بحلول عام 2020 ، وفى عهده بلغت نسبة صادرات السلع المصنعه 85 % من اجمالى الصادرات، واصبح نسبة عدد السيارات التى تسير فى الشوارع الماليزية 80 % من الانتاج الوطنى، وفى عام 2014 بلغ حجم الناتج الوطنى 746 مليار دولار فى الترتيب 29 عالميا، وصادراتها 231 مليار دولار فى الترتيب 26 عالميا، والبطالة 2.9 %.

لكن انجازات ماليزيا وبزوغها كنمر اسيوى فى عهد مهاتير الذى نادى بالاتجاه نحو الشرق فى نموذج اليابان، لايعنى أن ماليزيا لم تحظى بقيادات ملهمه سوى مهاتير، بل ماليزيا منذ استقلالها وهى تحظى غالبا برؤساء وزارات على مستوى المرحلة؛ رئيس وزراء وراء آخر، ففى خلال ثمانية وخمسين عامًا (1957- 2015) قاد ماليزيا ستة رؤساء حكومات ؛ تنكو عبد الرحمن أول رئيس وزراء (1957- 1970) وهو بطل الاستقلال، والذى نجح فى ارساء قواعد المواطنة بين المالاى والصينين والهنود، وبناء تحالف بين الاحزاب الكبرى تحت مظلة المنظمة الوطنية الملاوية المتحدة (أمنو)، وضم ولايات صباح وسرواك وسنغافورة، لكنه ضحى بالاخيرة عندما شعر أنها ستهدد أسس التوافق الماليزى.

وفى عام 1970 ، تولى تون عبد الرزاق حسين رئاسة الوزراء؛ وذلك عقب اضطرابات عرقية عام 1969 مابين الملاويين والصينين أدت إلى مقتل143 من الصينيين و25 من الملايو ؛ وعبّرت هذه الاضطرابات عن مدى خوف الملايو على مستقبلهم، في ظل سيطرة الصينيين على الاقتصاد وتزايد نفوذهم السياسي؛ فأعاد عبد الرزاق تشكيل التركيبة السياسية الماليزية، ووسّع التحالف الحاكم، واعتبره الكثيرون “بطل التنمية” ؛ حيث وضع ماليزيا على طريق التطور الاقتصادي، فكان وراء إطلاق السياسة الاقتصادية الجديدة التي قدمت رؤية اقتصادية لعشر سنوات تالية (1971-1990)، استهدف من خلالها تحقيق تقدم اقتصادي للجميع، مع تحسين وضع الملايو الذين كانوا يعانون من الفقر مقارنة بالصينيين والهنود.

وفى عام 1976 ، تولى رئاسة الوزراء حسين عون نجل عون جعفر أول رئيس للمنظمة الوطنية الملاوية المتحدة (أمنو).  وكان عهده استمرارًا لنهج تون عبد الرزاق، ونجح عون في استيعاب مهاتير محمد الذي كان قد طُرد من الحزب وقيادته، إثر أحداث 1969، وجعله نائبًا له ووزيرًا للتربية.

ويُعدّ مهاتير محمد الذي تولى رئاسة الوزراء لأكثر من 22 عامًا (1981-2003)، “بطل الازدهار” ، حيث قفزت ماليزيا في عهده قفزات هائلة، خصوصًا في جوانب الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية والخدمات وقدم مهاتير خدمات كبيرة لأبناء قومه من الملايو وأحدث تغييرات مهمة في بنيتهم الاقتصادية والاجتماعية؛ مع الحفاظ على حقوق الأقليات الأخرى. وقدّم مهاتيير رؤية شاملة للوصول بماليزيا إلى مصاف الدول المتقدمة (رؤية 2020) كما نجح في مواجهة أخطر أزمة اقتصادية مرت بها ماليزيا في تاريخها 1998

أما رئيس الوزراء عبد الله أحمد بدوي (2009-2003) الذى يتبع الطريقة الصوفية الاحمدية، و المتردد على طنطا لزيارة مقام السيد البدوى ، فقد تابع سياسة سلفه مهاتير، في الوقت الذي حاول أن يؤكد على المهنية والشفافية ومحاربة الفساد، وعمل على تقديم رؤية إسلامية بعنوان “الإسلام الحضاري” ليقدم نموذجًا “للاعتدال”، في مواجهة ما يرى أنه تشدد وتعصب الحزب الإسلامي الذي ينافسه على كسب أصوات الملايو.

وفى عام 2009 تولى نجيب عبد الرزاق رئاسة الوزراء وهو نجل تون عبد الرزاق ثانى رئيس للوزراء وليتابع سياسة اسلافه، لكن اليوم صارت ماليزيا فى مواجهة قضايا فساد ومظاهر تصادمات عرقية وتغيرات فى موازيين القوى السياسية بما قد يهدد تجربة ماليزيا وخفوت النجم الماليزى الذى كان يسطع فى سماء العالم.

الفساد المالى

تعيش ماليزيا أزمة سياسية بتوجيه تهم فساد مالي لرئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق ، وعلى خلفية هذه الاتهامات، بدى انقسام فى التحالف الحاكم منذ الاستقلال ، وقام نجيب بإجراء تعديل وزاري واسع شمل نائبه وكذا اقال النائب العام ؛ وذلك بما يفسره مراقبون على أنه صراع أجنحة مؤيدة ومعارضة لرئيس الورزاء الاسبق مهاتير محمد داخل التحالف الحاكم بقيادة المنظمة الوطنية الملاوية المتحدة (أمنو).

وأعربت منظمة “حقوقيون من أجل الحرية” عن قلقها من تدخل السلطة التنفيذية بعمل السلطة القضائية، وقال بيان للمنظمة “إذا كان من حق رئيس الوزراء تعيين الوزراء وعزلهم فإن وضع المدعي العام مصون بحكم الدستور”.

وقد تفاقمت الازمة السياسية والمالية الجارى التحقيق بشأنها وذلك بعد نشر صحيفة وول ستريت جورنال الامريكية فى نسختها الآسيوية تحقيقا مفصلا عن شركة التنمية الماليزية التى يرأسها رئيس الوزراء وذكر التقرير إن ما يزيد عن سبعمئة مليون دولار حولت إلى الحساب الشخصي لرئيس الوزراء. ويُذكر أن عبد الرزاق (62 عاما) قد واجه قبل ذلك تهم فساد ضد أفراد من عائلته وتصدى لها، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يُتهم فيها بتلقي أموال بشكل مباشر عبر حساباته البنكية

وعلى خلفية الاتهامات المتصاعدة ضد رئيس الوزراء، انلعت مظاهرات فى كوالالمبور وانحاء مختلفة من ماليزيا مطالبه باستقالة رئيس الوزراء، وشارك فى هذه المظاهرات مهاتير محمد و زوجته؛ والذى اتسم عهده بمنع وقمع المظاهرات، وقامت منظمة النزاهه الانتخابية “بيرسا” مظاهرات 2015ا، نشأت بيرسا عام 2005 بمشاركة قوى للمعارضة ومن ابرز رموزها عزيزة اسماعيل رئيس حزب العدالة الوطنية زوجة انور ابراهيم نائب مهاتير الاسبق والذى اقيل ابان الازمة المالية 1997 وسجن على خلفية قضايا اخلاقية وسياسية. وتضم بيرسا ممثلين عن الحزب الاسلامى الماليزى وحزب العمل الديمقراطى الصينى. نظمت بيرسا أول مظاهره حاشدة بكوالالمبور فى نوفمبر 2007 ، والثانية فى يوليو 2011 ، والثالثة فى ابريل 2012، والرابعه فى اغسطس 2015.

ويقال ان الفساد في ماليزيا ظاهرة روتينية شأنها شأن أي دولة نامية، ولها واقع ملموس ذو دلالات مثبتة لكن منظومة الفساد في ماليزيا “منظومة مسؤولة”، بمعنى أن المسؤولين الفاسدين في الإدارات الماليزية -رغم فسادهم- لم يتغولوا على حساب الإنجاز والعطاء للمواطن والتنمية العامة للبنية التحتية ورأس المال البشري.

وهذا هو الفرق بينهم وبين الفاسدين في دول أخرى الذين فسدوا ولم يتركوا لبلادهم ولا مواطنيهم شيئا وذلك ليس تبرير للفساد فى ماليزيا لكن توصيف لوقائع أبقت الإدارات الماليزية لذات التحالف الحزبي الحاكم في البلاد منذ عام ١٩٥٧ في ماليزيا على رأس السلطة دون تغيير. وطبقا لتقرير عام 2014 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية تأتى ماليزيا فى الترتيب الخمسون وجارتها سنغافورة تأتى فى الترتيب السابع أما مصر فى الترتيب الرابع والتسعون.

ذوبان غراء اللحمة العرقية

يبلغ عدد سكان ماليزيا 30 مليون نسمه يمثلون لحد كبير سكان آسيا حيث يتوزعون ما بين ثلاث اعراق رئيسية وهى المالاي 51% والصينيون 22.6% والهنود 6.7% والقبائل الاصلية 11.8% ، والمالاى عرق ممتد فى آسيا ويتركزون فى ماليزيا واندونسيا وتايلاند وسنغافورة وبروناى. ويعكس هذا التنوع العرقى؛ تعددا دينيا وعقائديا أيضاً؛ حيث تعرف ماليزيا أكثر من عشرين ديانة على رأسها الإسلام، والكنفوشسية، والهندوسية. ويتوزع السكان بين مسلمى المالاى 61.3% والبوذيون 19.8% و المسيحيون 9.2% و الهندوس 6.3% أضافة الى معتقدى الكونفوشيوسية والطاوية.

والسمة الغالبة أن المالاى زراعيون، والصينيون تجار، والهنود مهنيون، وتتبع ماليزيا سياسات اجتماعية واقتصادية لاحداث التناغم بين الاعراق الثلاث، لكن طبيعة المالاى المتهمه بالكسل فى مقابل طبيعة الصينيون المتسمه بالنشاط اسفرت عن حساسيات بين العرقين الرئيسين، ويطلق على المالاى “بومبيوترا” أى أبناء الارض الذين ينظرون الى الصينيون والهنود باعتبارهما مهاجرون وليسوا مواطنون، ، ويعتمد تفكيك فتيل الصراع العرقى فى ماليزيا على تفكيك معادلة ان المالاى يحكمون ولايملكون بينما الصينيون يملكون ولايحكمون؛ فالمالاى يتولون السلطة السياسية، بينما الصينيون يملكون القوة الاقتصادية.

وفى خلال فترة الثمانينات، شهدت ماليزيا تصاعد مد الاسلام السياسى، وبداية تآكل غراء الوحدة الوطنية، وتزايد متواصل في التسلط الديني وعدم قبول الآخر، ومما يعزز ذلك سياسات تفضيل القومية الملاوية التى بدأت تسفر عن ضغائن عرقية ودينية.

وفى عام 2010 بدى واضحا تأثير تصاعد الاسلام السياسى فى ماليزيا بالغاء حفلة مغنية البوب الامريكية المعروفة بيونسيه، واعتقال شاب وشابة غير متزوجين بتهمة “الخلوة غير الشرعية”، والحكم بجلد أم لانها تناولت البيرة. وبدت براجماتية السياسة فى مظاهر شد وجذب مابين تحالف المنظمة الوطنية الملاوية المتحدة (أمنو) و الحزب الاسلامي الماليزي (باس) ، و ربما يفسر ذلك الموقف البراجماتى الماليزى المعارض لمصر أبان ثورة 30 يونيو 2013 .

وبينما الدعامة الرئيسية والاساسية للبلاد قائمة على العرق، فأن الملاويين يرون اسلوب الحياة الماليزية لا بد ان يكون اسلوب الحياة الملاوية باعتبارهم اصحاب الحق في ان يكونوا في المقدمة سياسيا وينظرون الى الآخر، غير الملاوي، على انه متآمر ويريد السيطرة. في حين تظهر الارقام ان الاسلام هو اسرع المعتقدات الدينية نموا في البلاد. بل ظهرت جماعة تطلق على نفسها اسم “بيركاسا”، او القوة، وهي ذات ميل ملاوي، ويقول عنها منتقدوها انها ذات نزعة شوفينية، او عرقية متطرفة.

ومؤسس هذه الجماعة، ابراهيم علي، يقول: “عندما لا يكون الملاويون راضون فهذه مشكلة”، ويرى الملاويين ان الصينيين والهنود في ماليزيا يعيشون افضل من نظرائهم في بلدان اخرى، وان السبب يعود الى قبول وكرم الملاويين.

وخلال عام 2015 اثار ناصر صفار، احد الزعامات الرئيسية في الحزب الحاكم ومستشار لرئيس الوزراء الماليزي نجيب رزاق النعرة العرقية؛ فتمت أقالته بعد 12 ساعة فقط من تصريحاته تلك. وفى نفس العام أشعل تصريح وزير الزراعة والصناعات الزراعية إسماعيل صبري على صفحته في الفيسبوك نار الفتنة مجددا بين العرقية الملايوية والصينية، وذلك بعد أن دعا الملايويين إلى مقاطعة المنتجات الصينية، إثر رفض التجار الصينيين خفض أسعار السلع والمواد الغذائية، في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية.

وقام الوزير إسماعيل صبري بحذف التصريح من صحفته بعد أن لاقى انتقادات واسعة من جهة، وتأييدا كبيرا من جهة أخرى، وهو ما أحدث بعض النقاشات الجدلية في تعليقات المشاركين، حيث انقسموا مابين مناصر له وأغلبيتهم من الملايو، ورافض لتصريحه وهم الصينييون سواء كانوا من المعارضة أو الحكومة.

وكتب الوزير بعد حذفه للتصريح أن هذا يعتبر رأيا شخصيا له، ولايعني بذلك جميع الصينيين، وإنما كان يقصد التجار الصينيين الذين رفضوا خفض أسعار السلع، مضيفا أنه “إذا لم تتغير عقول الملايويين، سيتخذ الصينيون الفرصة لاضطهاد الملايو”.

وفى فبراير 2015 ابدى مهاتير مخاوفه من فشل مشروع 2020 على خلفية المعضلة الماليزية 1970، وهي ذاتها المعضلة التي بدأ من أجل معالجتها المسار رغم كل ما تحقق، فإن مركز الاهتمام، وسبب النهضة الذي كان تغيير ما بالشعب المالاوي ـ وهم السكان الأصليون ـ بغية رفع مستواهم، ونقلهم من وضعية التخلف والضعف والفقر الذي خيم عليهم، كل هذا لم يمكن تحقيقه بسبب الذهنيات التي تأبت على التغير؛ رغم أن الوسائل والتقنيات، والآليات العملية، والاقتصادية كلها تم استغلالها” ويؤكد مهاتير “أن الواجب الذي يجب التركيز عليه هو تغيير الذهنيات، وتحقيق إصلاح حقيقى على مستواها.”

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*