اليوم الأربعاء 23 أغسطس 2017 - 12:32 صباحًا

  
  رئيس التحرير
  شكري رشدي



رحيل .. قصة قصيرة بقلم : غدير ايهاب

نهاية هذا الشهر هي السنة العاشرة في زواجنا ..كل شيء يبدو اكثر من هاديء ورائع ،احمد اختارني عقلا و أسرني عشقا كيف يكمن كل هذا الحنين للحب بداخلك و انت لا تدري ليفيض النبع ويهدر كانهار بين الضلوع ولا يهدم اي شيء في جريانه بداخلك مهما حدث!

تزوجنا بسرعة بدون معرفة عميقة فقد تقدم لي احمد ووجدني طبيبة ناجحة و هو ضابط وقته محسوب في كل شيء ..واسترحت لكل شيء كأنه مقدر لي.

فقمت انا بمعظم التجهيزات لضيق الوقت و تزوجنا و منذ لحظات زواجنا الاولي وانا لم اكن اتوقع هذا الفيض من المشاعر ، احمد بدا متحفظ جدا في فترة الخطوبة حتي انني لم اشك اننا سنحيا اي حياة غير الحياة التقليدية !

و لكنني فوجئت برومانسية غير عادية و اهتمام دائم بكل ما يسعدني، فهو لا ينسي اي مناسبة الا و يفاجئني برقة متناهية عن طريق مفاجئة غير متوقعة ، لحظاتي معه كلها اهتمام ، ضمته لا تختفي عندما يذهب في اي مأمورية ، هو كل ما كنت احلم به وزيادة في كل شيء.

 

  • ليلي: صباح الخير
  • صباح الخير يا احمد
  • انت نازل امتي ننزل سوا
  • استني اعملي قهوة و تعالي
  • ادخل فيفتح الدولاب بهدوء و اجد هديتي امامي
  • احمد هو كل مرة تعمل مفاجأة حلوة كدة
  • انت اجمل حاجة في حياتي
  • ودي احلي حاجة هتفضل في رقبتي (اسمك جوا القلب ) فعلا!

 

انا التي لم تعرف الحب اصبحت لا اري غير حياتنا و يوم رزقني الله بسيف لم يكن هناك احد اكثر سعادة مني

ثم اتت جني ووجدت ان الحياة تكتمل وان السعادة تطرق ابواب البعض دون اخرين !

حتي حملي الثالث الذي كان اصعب ما يمكن..و لم أكن اخطط له فعندنا ولد رائع و ابنه اجمل ما يكون …فلماذا اتحمل مشقة جديدة ؟ ولكنها ارادة الله كيف نعترض .

سعادتك واحتوائك هونت كل شيء ..حتي بدأت اشاهد علبه القطيفة تختفي بين ملابسك في الناحية اليمني و بدأت اشعر انك تخفي شيئا لعيد ميلادي مميزا كعادتك ..فبدأت افكر ان اعد لك مفاجأة ..ميدالية لها تصميم مميز لا يحمله سواك و بالفعل رسمت تصميم و ذهبت به لمحل الفضيات الذي نتعامل معه ليرسم تصميمه علي وجه الفضة التي تحبها مثلما احبها انا !

سأكتب احمد و ليلي في اتحاد بين حروف لن يقرأها سوانا فأنا ..انت

 

  • سيف …هات خالد وتعالي اوصلكم النادي عايز اتكلم معاك
  • ماما بتقول انك عامل تدريبات متوسطة ..
  • بابا انا بحاول اقصي حاجة بس انت عارف السباحة متعبة اوي و الكابتن بيعمل تحملات و التحملات مش قادر احقق فيها بحس اني تعبان في نص التمرين .
  • سيف علي فكرة انت و خالد لكم عندي بدلة صاعقة لو اخر المسابقة واحد فيكم علق ميدالية !

 

هكذا كان التفوق ليس حكرا علي سيف فقط تحتوي كل من حوله كأنك تحيطنا بالناجحين الطيبين لنقوي بهم ،لم تحتفظ بالمكأفأة لأبننا وحده!هذا انت.. رائع من الداخل و الخارج !

وقبل ان ننام فاجئتني بهذا التصريح بإلغاء اجازتك.

 

  • ليلي انا كنت عامل حسابي نخرج بكرة سوا لكن استدعوني في الوحدة ..اوعدك اول ما ارجع نقضي سوا يوم كامل
  • حبيبي ..اتفقنا

 

اتصال بلا رد…اكره ان تنقطع الشبكة داخل الوحدة ، اعرف انك ستتصل من رقم ارضي بعد قليل لأطمئن علي وصولك غريب جدا ألا تتصل !!لماذا اقلق هكذا !

اتذكر عندما تقدمت لي و كنت اخشي ارتباطي بك بعض الشيء لما تبديه من حزم في ملامح وجهك ، و لكن فور ان تحدثنا وجدت ان الحوار لا ينتهي بيننا ، امر غريب ان تلتقي الارواح

هكذا فتجد انك تكتمل بحوارك مع الآخر ، وكيف لاتهدأ نفسي الا عندما اسمع صوتك واطمئن عليك…ننتظر ان نلقاه بنبضات لاهثة تبحث عن الاكتمال عند اللقاء!

حتي بعد الزواج عندما سافرت في مأمورية خارج مصر ..لم نفتقد القرب و كان البعد يخففه تواجدك الدائم معي في لحظات الحوار السريعة التي كنا نتحدث فأشعر انك بجواري علي بعد خطوات و ليس بيننا بحر و محيط !!هناك سر في صوتك يأسرني ..

انت ذلك الرجل الذي نادرا ما تلقاه إمرأة ..صامت و لكن في صمتك شعراً لا تقرأه الا من تهواها ..انت ذلك الملثم لك النور  كثغر من حرير و ضوء مبهر رغم هدوء نفسك  هكذا عرفت ايامي معك !تبحر نفسي بداخلك لافهم حقيقتك فلا تعود للشاطيء الا راضية و مطمئنة!

 

  • الو ..مدام ليلي لو سمحتي محتاجين حضرتك ضروري في المستشفي العسكري
  • خير ..في ايه
  • معلش نستأذن حضرتك تحضري بس بسرعة ان امكن.
  • الو ..ريهام الحقي اتصلوا بيا عايزيني اروح المستشفي العسكري
  • انا حاسة احمد جري له حاجة ..الحقيني مش هقدر اسوق خالص
  • حاضر انا و عصام في الطريق

 

انا ريهام ..اتعرفت علي ليلي في النادي ..دائما تجلس وحدها او مع احمد لا تختلط ابداً بنا ظننتها في اول الامر متكبرة من ذلك النوع الذي لا يري غير نفسه جديرة بالاحترام و لا يحب الاختلاط لدونية جميع من حوله! حتي وجدتها يوما وحدها و اخذني الفضول للاقتراب .فذهبت اليها ادعوها للجلوس معي فوافقت و عرفت لماذا تنأي بنفسها عن الجميع …هي تلك المرأة الناعمة شديدة البياض من الداخل و من فرط الشفافية قد تجرحها فرط التلوث المحيط فيجب ان تبقي بعيدا عن ملوثات الحياة الاجتماعية التي نعاني منها يوميا!

اتصل عصام بأحد زملاء احمد  و نحن بالطريق و عرف الخبر …تم اطلاق النار العشوائي في مدخل الوحدة علي احمد و اصابته تبدو مميته ولكننا نتمني  العكس و نتعشم ان يكون هناك خير !كم هو عجيب ان نقترب من ليلي من سنة لنصبح اصدقاء لنكون معا في  لحظة لا يمكن ان تمحي من حياتنا ابدا.

داخل المستشفي …وجوم علي وجوه الجميع يبدو الامر شديد السواد

ما هي الا لحظات و عرفت ليلي كونها طبيبة ان الوضع يقترب من نهاية

اصابات في الصدر و الرقبة ..طلقات يبدو علي من اطلقها انه يحمل حقدا شديد ليمزقه بهذا الشكل !

لكن الغاء الاجازة كان بشكل مفاجيء ..يبدو انه كان يستهدف اي ضابط و ليس احمد بوجه خاص .لماذا دبر القدر ان يكون احمد هو المستهدف ؟!

كيف رحلت و متي ، وانا اراك ..اسمع حديثك تسألني واجيبك يوميا في كل التفاصيل الحياة الغياب لا يصبح غياب الا عندما نفتقد الاحبة و انا لا افتقدك ..اراك ..اضحك معك اهمس لك بأسرار لا تنتهي كل ساعة ، حتي ابنائنا بكوا فترة قصيرة ثم استمريت انت معهم وكأنك بيننا!

اهكذا يكون الحب اقوي من الفراق معك انت وحدك ! ام انه هكذا مع جميع الراحلين،  ام انك زرعت من الحب ما يكفينا ما بقي لنا من الايام..

اتراني انساك

اتراني اهجر الذكري

وتتوه منا الايام

انت في صحوي و منامي

كل الايام

ترحل و تعود في كل يوم

تحمل بين قسمات وجهك

خصام..ملام

ابدا لم انسي ذلك القلب

و لن يهدأ داخلي الشوق

حتي اراك ..

حتي انام بين راحتيك

فأنت علي رغم الرحيل

ما بقي لي من الايام!

احملك بين ضلوعي

جنين…احملك كيان

انت مني ..

فكيف تمحوك الايام !

أول الامر …باغتني الخبر و سقطت و انا احمل بين انحاء رحمي ابنتنا ، سقطت وانا اتمني ان الحق بك ، لا يعنيني حال ابننا و ابنتنا سيتولاهم الله ، اما انا لم اكن احيا الا لك وليس لي سواك اسعي اليه ، رفضت ان اتناول مهدئات لأحزن قدر المستطاع لعل صوت الصراخ الذي يشعل عقلي يختفي أو لعل الحريق يأكل ما بقي مني و انتهي و لكني للاسف لم الحق بك ، كيف هذا ألم نعرف ان الحزن يقتل ، لماذا لم ينل مني ، أكان حزني قليل لهذه الدرجة التي لم تنهي ما بقي لي

واخيرا انارت حياتنا “ريماس “..نعم حياتنا حتي وانت غائب عنا ، اتعرف لقد وافقتك عندما اخترت الاسم لكونه بريق الماس و لكنني لم اكن اعرف انه يحمل معني اخر هو الاختفاء داخل القبر، أكنت تعني انك ستمنحني بريقا غاليا ثم ترحل !لماذا الم تعرف انك انا و انني لم ارحل لك و لن ارحل الآن!

انارت ريماس حياتنا جميعا ، اعلم انك تعرف ذلك جيدا ، اتعرف لماذا لم ينهي حياتي الحزن لأنني عرفت انك معي و لم ترحل من صدي ضحكاتها حولي ، لو كانت تفتقدك ما ضحكت هكذا!

و كبر اولادنا و يكبرون كل يوم و انا حولي العديد من الاصدقاء ، رغم اني كنت اعتزلهم في وجودك و لكنهم اقتحموا حياتي بعد رحيلك ليمسكوا بيدي و يمروا بي عبر هذه المرحلة لأصبح اقوي ..انتظر لقاءنا لكن بصبر و قوة و سعادة

تخيل انني ابتسم و اضحك مثلما كنا معا …ريماس تملأ حياتنا بهجة

ابننا كبر يلعب دور الأب للبنتين ..تخيل انه يذهب بهم ممسكا ايديهم داعماً لهم  أول كل يوم دراسة ، في حفلاتهم ، في اعياد ميلادهم ،حتي في تدريباتهم بالنادي  كأنه انت!

أما عصام صديقك و زوجي فيحمل في جيبه دبلة أحمد ..اعطاها لي لأردها لليلي ، كيف يمكنني فعل هذا !

ساضعها في علبة قطيفة و احفظها أمانة عندي حتي يكبر خالد ابني … و سأقوم  بردها يوم يكون خالد زوجا لأحدي البنتين  …لا يهم ايهم فهما زهرتين نادرتين لأجمل رجل و أمرأة عرفتهم في حياتي و لا يمكن ابدا ان تترك الزهور النادرة بلا رعاية !

خالد يحمل احداهم داخل قلبه  ..واما الاخري سنكون لها اسرة اخري

سنحمل هذه الاسرة بين ضلوعنا حتي تمر الايام عليهم ناعمة  ..حانية!

تلك هي رسالتنا معهم ، لا تقلق يا أحمد فأنت بيننا …حي لم تمت ، فلم يكن ابدا غيابك رحيل!

حبيبي انا لم اعرف بعد ما هي الهدية التي تخفيها بدولابك !انتظر ان تهديها لي يوم نلتقي !

في الانتظار … !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*